السيد الطباطبائي

50

تفسير الميزان

خطأ وغلطا فكيف بغيرها ؟ ومع هذا الوصف كيف يمكن الاعتماد على شئ من العلوم والتصديقات المتعلقة بالخارج منا ؟ ومنها : انا كلما قصدنا نيل شئ من الأشياء الخارجية لم ننل عند ذلك الا العلم به دون نفسه فكيف يمكن النيل لشئ من الأشياء ؟ إلى غير ذلك من الوجوه . والجواب عن الأول : أن هذا الاستدلال يبطل نفسه ، فلو لم يجز الاعتماد على شئ من التصديقات لم يجز الاعتماد على المقدمات المأخوذة في نفس الاستدلال ، مضافا إلى أن الاعتراف بوجود الخطأ وكثرته اعتراف بوجود الصواب بما يعادل الخطأ أو يزيد عليه ، مضافا إلى أن القائل بوجود العلم لا يدعي صحة كل تصديق بل انما يدعيه في الجملة ، وبعبارة أخرى يدعي الايجاب الجزئي في مقابل السلب الكلي والحجة لا تفي بنفي ذلك . والجواب عن الثاني : أن محل النزاع وهو العلم حقيقته الكشف عن ما ورائه فإذا فرضنا أنا كلما قصدنا شيئا من الأشياء الخارجية وجدنا العلم بذلك اعترفنا بأنا كشفنا عنه حينئذ ، ونحن إنما ندعي وجود هذا الكشف في الجملة ، ولم يدع أحد في باب وجود العلم : انا نجد نفس الواقع وننال عين الخارج دون كشفه ، وهؤلاء محجوجون بما تعترف به نفوسهم اعترافا اضطراريا في أفعال الحياة الاختيارية وغيرها ، فإنهم يتحركون إلى الغذاء والماء عند احساس ألم الجوع والعطش ، وكذا إلى كل مطلوب عند طلبه لا عند تصوره الخالي ، ويهربون عن كل محذور مهروب عنه عند العلم بوجوده لا عند مجرد تصوره ، وبالجملة كل حاجة نفسانية ألهمتها إليهم احساساتهم أوجدوا حركة خارجية لرفعها ولكنهم عند تصور تلك الحاجة من غير حاجة الطبيعة إليها لا يتحركون نحو رفعها ، وبين التصورين فرق لا محالة ، وهو ان أحد العلمين يوجده الانسان باختياره ومن عند نفسه والاخر انما يوجد في الانسان بايجاد أمر خارج عنه مؤثر فيه ، وهو الذي يكشف عنه العلم ، فاذن العلم موجود وذلك ما أردناه . واعلم : أن في وجود العلم شكا قويا من وجه آخر وهو الذي وضع عليه أساس العلوم المادية اليوم من نفي العلم الثابت ( وكل علم ثابت ) ، بيانه : ان البحث العلمي